محطات التكرير فرصة لتزويد الزراعة بمياه نظيفة... ولكن

يصب مجرى نهر الليطاني في معظم قرى البقاع، حتى كادت معالمه تفقد، لولا كميات النفايات التي تكدست فيه، والسواقي التي رفعت منسوبها مياه الصرف الصحي المحولة بمعظمها اليه، لتتحول الى وسيلة الري الوحيدة من هذا النهر في معظم القرى.
المشكلة المستفحلة هذا العام، بسبب كميات الامطار التي لم تكن كافية لتأمين تدفق النهر، اقله في الاشهر الاولى من موسم الزرع في البقاع، تفاقم القلق من نوعية المياه التي تروى بها مزروعات سهله، في ظل الحديث المتكرر عن اقامة المزارعين سدودا لتجميع مياه الصرف الصحي، تحول الى الاراضي لريها بأقل كلفة ممكنة. والمشهد على امتداد السهل ابلغ من اي كلام. 
صحيح ان الحديث عن نهر تحول الى عبارة لـ "مجرور مفتوح" ليس جديدا، ولا التحذير من زراعات تروى منه، الا ان الاضاءة على الواقع مجددا، يبدو ضروريا لتجديد السؤال عن خطة انشاء محطات التكرير وتجاربها الفردية الخجولة في منطقة البقاع، والتي يتبين ان الجهود التي بذلت فيها لم ترق الى مستوى الطموح بمد الليطاني بمياه نظيفة وصالحة لري المزروعات. 
محطة تكرير الفرزل المتعثرة بالاعباء المالية التي فرضتها ادارتها على بلديتها، وبالذهنيات المتفاوتة في تحديد الاولويات الانمائية، هي واحدة من هذه التجارب. مولت الوكالة الاميركية للتنمية انشاء المحطة كواحدة من 3 محطات الى جانب محطتي ابلح وعيتنيت، بعد ان سقطت خطتها الاولى القاضية بانشاء 7 محطات بقاعا امام المواقف السياسية التي "تشيطن" الجهة الداعمة، او بسبب عدم قدرة البلديات على تأمين قطع الارض المطلوبة لهذه المحطات. 
منذ استلام بلدية الفرزل المحطة، كانت تشكو من كلفة تشغيلها المرتفعة، نتيجة للانقطاع المتكرر للكهرباء، ما يفرض تجهيزها بمولدات تحتاج الى ما لا يقل عن 2500 ليتر مازوت شهريا. وفيما كان اتحاد بلديات قضاء زحلة يتحمل جزءا من كلفة الفيول المطلوبة، قرر رئيس بلدية الفرزل الحالي ملحم الغصان منذ عشرة اشهر، ان استمرار انفاق البلدية والاتحاد اموالهما في تشغيل المحطة "هدر"، فتعطلت محركات المحطة في ساعات التقنين. يقول الغصان"ما الفائدة من تكرير نحو 600 متر مكعب من مياه الفرزل الآسنة، طالما انها ستصب في النهر الملوث مجددا". 
القرار محبط لمدير المحطة المهندس محمد ابو ديه، وهو واحد من قليلين يحملون شهادة هندسة في تشغيل وصيانة محطات التكرير، ما حتم تحميله مسؤولية محطتي ابلح والفرزل معا.
يؤيد ابو ديه ان كلفة تشغيل المحطات الصغيرة، اكبر من امكانيات البلديات التي تسلمتها. ويشرح ان عدم تزويد المحطة بالطاقة الكهربائية بشكل دائم، كفيل بأن يحولها الى خزانات للترسيب فقط. وهو ما يحصل حاليا في الفرزل التي لا تقوم محطتها سوى بنصف معالجة. فلا تخضع المياه الواصلة اليها لمراحل التكرير الكاملة الا في ساعات التغذية بالكهرباء، حيث يتم تجميع المياه المكررة في حفر، جهزت بثلاث مضخات للمياه المكررة الى اراض زراعية قريبة مساحتها نحو 45 دنم. اما في ساعات التقنين، فلا معالجة بيولوجية للمياه الواصلة الى المحطة، بل فقط ترسيب لبعض مكوناتها، تحول بعدها مباشرة الى النهر حتى لا تتجمع في خزانات الترشيح التي تحتاج الى جريان المياه المبتذلة فيها باستمرار حتى لا تجف البكتيريا التي تتغذى من المواد الذائبة في المياه الآسنة، والتي تحتاج الى ما لا يقل عن اسبوعين من المياه الجارية لتتكون مجددا. 
في المقابل يوافق رئيس اتحاد بلديات زحلة ابرهيم نصرالله على ان ادارة المحطة عبء كبير، وان كان لا يتفق مع الغصان في كيفية ازالة الحمل، خصوصا ان اتحاد البلديات ابدى رغبة دائمة بتزويد المحطة بالفيول الى ان تتوفر الحلول الاخرى. ومنها ما ذكره نصرالله عن تأمين الكهرباء من خطين منفصلين لتزويد المحطة بـ"كهرباء الدولة" بشكل متواصل، والاقتراح لم يعرف طريقه الى التنفيذ حتى الآن. اما الحل الذي يتفق عليه غصان ونصرالله، فيقضي باضافة بند الى شروط انفاق اموال الصندوق البلدي المستقل، يرفع من مخصصات كل بلدية نشأت فيها محطة للتكرير لتمويل ادارتها. 
لا يرتبط موقف نصرالله المبدئي حول ضرورة تشغيل محطات التكرير، بمصداقية البلدية التي تسلمت المحطة من الجهة الممولة للمشروع ، بل يبدو متفقا مع رئيس بلدية ابلح السابق روبير سمعان الذي يرى انه "اذا اضاءت كل بلدية شمعة، يمكن ان نصل الى خلاصنا من ظلمة التلوث في الليطاني". 
محطة ابلح التي تشغل بكل امكانياتها "تفش خلق" المهندس المدير بالمقابل. تستقبل المحطة حوالى الف متر مكعب من "المياه المبتذلة" يوميا، وهي مجهزة لرفع الكمية الى الفي متر ولاستقبال مياه جور الصرف الصحي من القرى غير المجهزة بالاقنية. ومع ذلك اضطر ابو ديه لان يلاحق بنفسه كل صاحب صهريج كي يقنعه بتسليم حمولة الصرف الصحي التي ينقلها مباشرة الى المحطة، مستعملا سياسة العصا والجزرة تجاه من كانوا يصرون على تفريغ هذه الاوساخ في اقنية المجاري مباشرة.
الا ان معاناة ابلح رغم تكرير "مجاريرها" مستمرة بسبب تدفق المياه الملوثة من شمال البقاع، بانتظار انتهاء الاستملاكات القائمة حاليا لانشاء محطة في منطقة تل عمارة تربط اقنية الصرف الصحي الواصلة اليها من حزين الى تمنين. 
وتبقى معاناتها الكبرى جراء تدفق مياه الصرف الصحي من جارتها الاقرب نيحا. فبعد ربط النبي ايلا وابلح بمحطة تكرير الاخيرة، جرت نقاشات مطولة مع بلدية نيحا لربط صرفها الصحي بالمحطة ايضا. ولكن بقيت المشكلة التي ورثتها البلدية من سابقاتها اكبر من الامكانيات بحسب رئيسي بلديتها الحالي والسابق. وهي كانت قد ابتدعت اسلوبا يقضي بتجميع اقنية الصرف الصحي في مجرور موحد يصب قريبا من ثكنة ابلح العسكرية، حيث عمدت الى انشاء الحفر لتجميعها حتى لا تصب في النهر، الى ان بلغ عدد هذه الجور 12 "خندقاً" غميقاً كما يقول رئيس بلديتها السابق وليد ايوب، وارتفعت صرخة القيادة العسكرية من تلويثها مياه الشفة الواصلة للثكنة، فلم يعد امام البلدية سوى تحويلها للنهر مجددا بعد ردم الحفر الـ 12. 
يشرح ايوب ان ربط خط جر نيحا الاساسي بمحطة ابلح يحتاج لان يمتد ما لا يقل عن 150 متراً، وقد قدم المشروع الى مجلس الانماء والاعمار وعرض على مؤسسة الرؤيا العالمية اللذين لا تزال البلدية تنتظر تجاوبهما، بعدما رفضت القيادة العسكرية حلا آخر يقضي بربط مجاري البلدة بخط انشئ من عهد الفرنسيين يمر في ثكنة ابلح ويمكن للبلدية واتحاد البلديات تحمل كلفته. 
الا ان استمرار تدفق مياه نيحا الآسنة في مجرى الليطاني ليس وحده ما يحد من النتائج الايجابية لتجربة ابلح الناجحة مع محطتها. بحسب المهندس ابو ديه، فإن تكرير المياه يخفف من كمية التلوث ولكنه لا يجعل مياه النهر نظيفة، لأنه حتى لو كررت كل المياه الآسنة على امتداد سهل البقاع فإنها ستحتاج الى فترة طويلة من جريان المياه النظيفة للانتهاء من ترسبات الملوثات في الليطاني. 
ومع ذلك يستفيد المزارعون المحيطون بالمحطة من "ضخ" المياه المكررة مباشرة لري بعض المزروعات غير البقولية المحيطة بها. فيما عين مدير المحطة على مشروع ري قدم منذ سنتين يموله الاتحاد الاوروبي، يؤمن استفادة اكبر من كمية مياه نظيفة تضخ عبر شبكة طولها 4 كيلومترات لري 140 دونما من كروم العنب، وهو واحد من 17 مشروعاً لترشيد استخدام المياه للزراعة، باشراف مهندسين زراعيين من مؤسسة مياه الليطاني ووزراة الزراعة، لا يزال ينتظر موافقة مجلس الوزراء، في وقت لا يصب عامل الوقت والروتين الاداري بمصلحة تنفيذ هذه المشاريع.
وعامل الوقت قاتل ايضا لمحطة تكرير زحلة وجوارها. فبعد 14 سنة من انتظار انجازها بموجب اتفاقية موقعة مع الدولة الايطالية، ضرب الموعد الاخير لتسليم الموقع بين تموز وايلول من سنة 2015. الا ان ذلك يبقى قيد التسريع بتسديد كلفة فرق الكلفة التي طرأت خلال طول السنوات والتي حملت الى مجلس الانماء والاعمار، حتى تتمكن الشركة المتعهدة من استكمال المنشآت وتشغيل التجهيزات التي لا تزال مخزنة بمستوعباتها، قبل ان يأكلها الصدأ او تطرأ عليها الاعطال. 
في المقابل لفت مؤخرا ما كشفه مدير شركة Degremont المنفذة لمحطة زحلة الذي قال خلال زيارة لمدير عام التعاون للتنمية في وزارة الخارجية الايطالية ان "المياه المكررة في محطة زحلة ستذهب الى النهر، ويمكن استخدامها لاحقا لري المزروعات وهذا ليس هدف المشروع المباشر ولكنه قد يكون كذلك في مرحلة لاحقة". مما يعني ان المياه المكررة ستصب في النهر مجددا اسوة بما يحصل حاليا في جب جنين التي نجحت اخيرا في تشغيل محطة تكرير تعالج يومياً ما بين 3500 و4000 ليتر مكعب من مياه الصرف الصحي، ومحطات التكرير الاخرى.
وعموما فإن الاستفادة من المياه المكررة للري بحسب المهندس ايلي شويري تحكمها معايير علمية. وهو ما يجري العمل على تحديدها من خلال برنامج اقليمي لمواجهة ندرة المياه وشحها تموله الدولة الايطالية وتشرف عليه تقنيا منظمة الفاو. ومن ضمن البرنامج يشرف شويري على تجارب في ستة حقول للذرة والشعير والزراعات العلفية، بمحيط محطة تكرير ايعات في بعلبك، ثلاثة منها يتم ريها بواسطة المياه المكررة في المحطة، وثلاثة من خارج المحطة، تمهيدا لدراسة النتائج الزراعية التي قد تشكل منطلقا لتعميم التجربة في مناطق اخرى نشأت فيها ايضا محطات للتكرير. علما ان المشروع يتضمن ايضا تقديم التوجيهات الضرورية للمزارعين حول كيفية الري بواسطة المياه المكررة، مع كميات المياه المسموحة، والزراعات التي يسمح بريها من هذه المياه. 
الا ان كل الدراسات تبقى دون جدوى ما لم يولد وعي جماعي حول الجدوى من انشاء محطات التكرير، يسمح بالاستفادة من الجهود التي بذلت في بعض قرى البقاع، واعتبارها نماذج صالحة، المطلوب العمل على تذليل عقباتها وخصوصا في ما يتعلق بكلفة التشغيل الباهظة. والابتعاد عن تحميل المسؤوليات للمزارعين وخصوصا في غياب الحلول البديلة، وفي ظل استقالة رسمية من مسؤولية الحفاظ على ما تبقى من ثروة مائية في لبنان، وحمايتها من التلوث.

Take Action

Join IndyAct Communications Team
We need your help to make a difference!

Give to the cause
Help power the movement

Say Hello!


We would love to hear from you. Let’s have a talk

Contact Info


IndyAct

Rmayl, Nahr str.
Jaara bldg. 4th Floor
Telephone: +961 1 447 192
Fax: +961 1 448 649
P.O.Box: 14-5472, Beirut, Lebanon